ماهي دراسة جدوى المشروع Business Case؟ - الأكاديمية البريطانية للتدريب و التطوير

التصنيفات

صفحة الفيسبوك

صفحة التويتر

ماهي دراسة جدوى المشروع Business Case؟

في عالم المؤسسات الحديثة، لم تعد المشاريع تُطلق لمجرد توفر فكرة جيدة أو حماس إداري مؤقت، بل أصبحت نتيجة قرار واعٍ يُبنى على تحليل عميق وفهم واقعي للتكلفة والقيمة والمخاطر. فالمشكلة الحقيقية في كثير من المشاريع الفاشلة لا تكمن في ضعف التنفيذ، وإنما في قرار البدء نفسه. من هنا تبرز دراسة جدوى المشروع (Business Case) كوثيقة محورية تمثل عقل المشروع قبل أن يرى النور، وتحدد ما إذا كان يستحق الاستثمار فيه من الأساس.

وتشير المناهج المهنية المعتمدة، كما هو مطروح في برامج الأكاديمية البريطانية للتدريب والتطوير، إلى أن دراسة الجدوى ليست إجراءً إداريًا ثانويًا، بل خطوة استراتيجية أساسية تسبق أي تخطيط أو تخصيص موارد. فهي الأداة التي توازن بين الطموح والواقع، وتحمي المؤسسات من الانجراف خلف مشاريع جذابة شكليًا لكنها ضعيفة القيمة عمليًا.

المفهوم الحقيقي لدراسة جدوى المشروع

دراسة جدوى المشروع هي وثيقة تحليلية تُعد قبل اعتماد المشروع رسميًا، وتهدف إلى تبرير سبب تنفيذه أو التوصية بعدم المضي فيه. تركّز هذه الوثيقة على تحليل المشكلة أو الفرصة، وتقييم القيمة المتوقعة، وقياس مدى توافق المشروع مع استراتيجية المؤسسة، إضافة إلى تقدير التكاليف والمخاطر والبدائل المتاحة.

بعكس ما يعتقده البعض، دراسة الجدوى لا تُعنى بكيفية التنفيذ أو توزيع المهام أو إعداد الجداول الزمنية، بل تهتم بجوهر القرار نفسه. فهي تجيب عن السؤال الأكثر حساسية في إدارة المشاريع: هل هذا المشروع يستحق أن نبدأه؟ وإذا كانت الإجابة غير واضحة، فإن البدء في التنفيذ يصبح مخاطرة غير مبررة.

لماذا تُعد دراسة الجدوى حجر الأساس قبل أي مشروع؟

أحد أهم أدوار دراسة الجدوى هو حماية المؤسسة من القرارات العاطفية أو المتسرعة. فالأفكار الجذابة قد تكون مضللة إذا لم تُختبر بمنطق الأرقام والتحليل. دراسة الجدوى تضع الفكرة تحت المجهر، وتفصل بين ما يبدو مغريًا وبين ما هو قابل للتنفيذ ويحقق قيمة حقيقية.

كما تلعب دراسة الجدوى دورًا محوريًا في توجيه الاستثمار نحو المشاريع الأكثر تأثيرًا. في ظل محدودية الموارد، لا تستطيع المؤسسات تنفيذ كل المبادرات، لذلك تساعد دراسة الجدوى على المفاضلة بين الخيارات المختلفة واختيار المشروع الذي يحقق أعلى عائد استراتيجي ممكن.

إضافة إلى ذلك، تُعد دراسة الجدوى أداة فعالة لبناء قناعة الإدارة العليا وأصحاب المصلحة. فالقرار المدعوم بتحليل منطقي وبيانات واضحة يكون أكثر قابلية للدعم والاستمرارية مقارنة بقرار قائم على الحدس أو الضغط.

الفرق بين دراسة الجدوى وخطة المشروع

من المهم إدراك أن دراسة الجدوى ليست بديلًا عن خطة المشروع، بل تسبقها منطقيًا وزمنيًا. دراسة الجدوى تشرح سبب وجود المشروع وتحدد ما إذا كان يستحق التنفيذ، بينما تأتي خطة المشروع لاحقًا لتوضح كيف سيتم التنفيذ فعليًا.

بمعنى آخر، إذا لم تتم الموافقة على دراسة الجدوى، فلن يكون هناك مشروع أصلًا، ولن تكون هناك حاجة لخطة أو جدول أو فريق عمل. هذا التسلسل يعكس نضجًا إداريًا واضحًا في إدارة المشاريع.

كيف تُبنى دراسة جدوى مشروع بشكل منطقي؟

تبدأ دراسة الجدوى عادة بتوضيح المشكلة أو الفرصة التي دفعت للتفكير في المشروع. قد تكون المشكلة انخفاضًا في الأداء، أو تكلفة تشغيلية مرتفعة، أو ضعفًا في رضا العملاء، وقد تكون الفرصة دخول سوق جديد أو تطوير خدمة قائمة. المهم أن يكون الوصف واقعيًا ومدعومًا ببيانات، لا انطباعات عامة.

بعد ذلك، يتم الانتقال إلى توضيح الأهداف المتوقعة من المشروع. هذه الأهداف تمثل الحالة التي ترغب المؤسسة في الوصول إليها بعد التنفيذ، سواء كانت أهدافًا مالية، أو تشغيلية، أو استراتيجية. وضوح الأهداف يساعد لاحقًا على تقييم ما إذا كان المشروع ناجحًا أم لا.

ثم تأتي مرحلة ربط المشروع بالاستراتيجية العامة للمؤسسة. فالمشاريع التي لا تخدم رؤية المؤسسة أو أهدافها طويلة المدى غالبًا ما تفقد الدعم أو تُلغى في منتصف الطريق، حتى لو كانت ناجحة تقنيًا. دراسة الجدوى الجيدة توضّح بوضوح كيف يساهم المشروع في تحقيق الأهداف الاستراتيجية.

تحليل البدائل والتكاليف والفوائد

أحد العناصر الجوهرية في دراسة الجدوى هو تحليل البدائل. فليس كل تحدٍ يتطلب مشروعًا جديدًا، وقد يكون الحل في تطوير نظام قائم أو تغيير إجراء تشغيلي. استعراض البدائل يعكس نضج التفكير الإداري ويمنح القرار مصداقية أعلى.

بعد ذلك يتم تحليل التكاليف المتوقعة للمشروع، والتي لا تقتصر على تكلفة التنفيذ فقط، بل تشمل تكاليف التشغيل والصيانة والتدريب والتكاليف غير المباشرة. التقدير الواقعي للتكاليف هو أحد أهم عوامل نجاح دراسة الجدوى.

في المقابل، يتم تحليل الفوائد المتوقعة من المشروع، سواء كانت فوائد مالية مباشرة مثل زيادة الإيرادات أو تقليل التكاليف، أو فوائد غير مالية مثل تحسين السمعة المؤسسية أو رفع مستوى رضا العملاء. دراسة الجدوى الجيدة توضّح كيف يمكن قياس هذه الفوائد ومتى يُتوقع تحقيقها.

المخاطر و الإفتراضات والقيود

لا توجد دراسة جدوى مكتملة دون تحليل للمخاطر. فكل مشروع يحمل قدرًا من عدم اليقين، سواء كان ذلك مرتبطًا بالسوق أو التكنولوجيا أو الموارد البشرية أو البيئة التنظيمية. دراسة الجدوى لا تهدف إلى تخويف الإدارة، بل إلى رفع مستوى الوعي والاستعداد.

كما تتضمن الدراسة توضيح الافتراضات التي بُني عليها التحليل، مثل استقرار السوق أو توفر الموارد، إضافة إلى القيود التي لا يمكن تجاوزها، مثل الميزانية أو الوقت أو الأنظمة. توثيق هذه الجوانب يمنع سوء الفهم لاحقًا ويجعل القرار أكثر شفافية.

التوصية النهائية واتخاذ القرار

في نهاية دراسة الجدوى، يجب أن تكون التوصية واضحة وصريحة. إما المضي قدمًا في المشروع، أو تعديل الفكرة، أو تأجيل التنفيذ، أو عدم تنفيذ المشروع أصلًا. هذه التوصية لا تُبنى على الرغبة أو الحماس، بل على تحليل منطقي متوازن بين الفوائد والمخاطر.

وجود توصية واضحة يساعد الإدارة على اتخاذ قرار حاسم، ويمنع الدخول في مشاريع رمادية غير واضحة الاتجاه.

دور مدير المشروع في دراسة الجدوى

رغم أن إعداد دراسة الجدوى قد يكون بقيادة الإدارة العليا أو مكتب إدارة المشاريع، إلا أن مدير المشروع يلعب دورًا مهمًا في تقديم تقديرات واقعية للتكلفة والوقت، وتحليل المخاطر، وتقييم قابلية التنفيذ. مدير المشروع المحترف لا يبدأ التنفيذ قبل أن يقتنع بأن المشروع يستحق الجهد الذي سيُبذل فيه.

دراسة الجدوى كأداة إنسانية لا مجرد وثيقة

رغم طابعها التحليلي، تحمل دراسة الجدوى بعدًا إنسانيًا عميقًا. فهي تحمي الفرق من العمل على مشاريع غير مجدية، وتمنحهم وضوحًا في الهدف، وتشعرهم بأن وقتهم وجهدهم يُستثمران في مشاريع ذات قيمة حقيقية. وهذا ما تؤكد عليه المدارس المهنية الحديثة، ومنها الأكاديمية البريطانية للتدريب والتطوير، التي ترى في دراسة الجدوى أداة ذكاء مؤسسي وليست عبئًا إداريًا.